حسن حسني عبد الوهاب

715

العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين

وقد كان - رحمه اللّه - إماما عالما ذا فضل ودين ، حسن الخلق والخلق ، في سعة حال ويسار . وهو أول من أظهر كتب الأصول بالمغرب بإقرائه إيّاها بمدينة تونس . وكان مجلس إقرائه يغص بطلّاب العلم ، وتخرّج عليه صدور من الأفاضل ذكرنا البعض منهم . واجتمع به العبدري عند مروره من تونس سنة 689 ه فقال في حقه : " ولقيت بها الشيخ الحسيب العالم الكامل فقيه إفريقية والمنظور إليه بها وقطب أصولها وفروعها والمرجوع إليه في أحكامها غير مدافع ولا منازع . . . لقيته وسمعت كلامه في بعض المسائل فسمعت كلام ممارس للعلم ، طويل الخدمة له ، مدلّ على الخوض فيه غير مرهوب ولا فرق ، وحق ذلك لمن زاوله جمعا وفرقا ، وطلبه غربا وشرقا ، وخدمه من لدن أن شبّ إلى أن دبّ ، وأولع به ولوع متيّم حب ، يحب لحبّه كل منتم إليه ، ويعطف بباطنه وظاهره عليه . ولم أكثر مجالسته لقلّة تفرغه للرواية وكثرة اشتغاله . واستجزته فأجازني . وكتب لي ذلك بخطّه " . وتوجه ابن زيتون مرّتين في السفارة إلى بعض ملوك المغرب الأقصى نائبا عن المستنصر باللّه فشكرت رسالته وحمدت سياسته . ولمّا زحف لويس التاسع من ملوك فرنسا على تونس ومات بقرطاجنة وانبرمت الهدنة - ربيع الأول سنة 669 - بعث المستنصر مشيخة الفقهاء لعقد الصلح بينه وبين قائد عساكر الصليبيين من الفرنسيس قال ابن خلدون : " فتولّى عقده وكتابته القاضي ابن زيتون لخمسة عشر عاما . وحضر العقد أبو الحسن علي بن أبي عمرو وأحمد بن الغمّاز " . وصكّ المهادنة المشار إليها هنا موجود لحدّ الآن في محفوظات الوزارة البحرية الفرنسية في باريس . وقد نشرت صورته مرارا في كتب تاريخية إفرنجية وفي مجلات علمية 2 . وإمضاء ابن زيتون واضح الصورة في آخره . من غريب ما وقفت عليه من أخبار هذا العالم الجليل أنه كان يميل إلى تربية العصافير في بيته . وهذا ما يدلّ على رقّة طبعه ولطف حاشيته ، فقد حكى ابن عبد السلام أن شيخه ابن زيتون : " كان يتخذ العصافير في الأقفاص لسماع نغماتها فإذا ما مضى عليها سنة أطلق سراحها حتّى لا تعذّب بالسجن الطويل " .